النويري

199

نهاية الأرب في فنون الأدب

لم يكن لهم بها قبل ، وحملنا عليهم حملة ألجأهم طوفانها إلى ذلك الجبل ، وهل تعصم من أمر اللَّه حيل ؟ فحصرناهم في ذلك الفضاء المتّسع ، وضايقناهم كما قد رأى ومزّقناهم كما قد سمع ، وأنزلناهم على حكم السيف الذي نهل من دمائهم حتى روى وأكل من لحومهم حتى شبع ، وتبعتهم جيوشنا المنصورة تتخطَّفهم رماحها ، وتتلقّفهم صفاحها ، ويبدّدهم في الفلوات رعبها ، ويفرّقهم في القفار طعنها المتدارك وضربها ؛ ويقتل من فات السيوف منهم العطش والجوع ، ويخيّل للحىّ منهم أنّ وطنه كالدنيا التي ليس للميت إليها رجوع ؛ ولعله قد رأى ذلك فوق ما وصف عيانا ، وتحقّق من كل ما لا يحتاج أن نزيده به علما ولا نقيم له عليه برهانا ؛ وقد علم أنّ أمر هذا العدوّ المخذول ما زال معنا على هذه الوتيرة ، وأنهم ما أقدموا إلا ونصر اللَّه عليهم في مواطن كثيره ؛ وما ساقتهم الأطماع في وقت إلا إلى حتوفهم ، ولا عاد منهم قطَّ في وقعة إلا آحاد تخبر عن مصارع ألوفهم ؛ ولقد أضاع الحزم من حيث لم يستدم نعم اللَّه عليه بطاعتنا التي كان في مهاد أمنها ، ووهاد يمنها ؛ وحماية عفوها ، وبرد رأفتها التي كدّرها بالمخالفة بعد صفوها ؛ يصون رعاياه بالطاعة عن القتل والإسار ، ويحمى أهل ملَّته بالحذر من الحركات التي ما نهضوا إليها إلا وجرّوا ذيول الخسار ؛ ولقد عرّض نفسه وأصحابه لسيوفنا التي كان من سطواتها في أمان ، ووثق بما ضمن له التّتار من نصره وقد رأى ما آل اليه أمر ذلك الضّمان ؛ وجرّ لنفسه بموالاة التتار عناء كان عنه في غنى ، وأوقع روحه بمظافرة المغول في حومة السيوف التي تخطَّفت أولياءه من هنا ومن هنا ؛ واقتحم بنفسه موارد هلاك سلبت رداء الأمن عن منكبيه واغترّ هو وقومه بما زيّن لهم الشيطان من غروره « فلمّا تراءت الفئتان نكص على عقبيه » وما هو والوقوف في هذه المواطن التي تتزلزل فيها أقدام الملوك الأكاسره وأنّى لضعاف النّقاد قدرة على الثّبات لوثبات الأسود الضارية واللَّيوث الكاسره ؛